«الطفّيشة» مصطلح سوريّ مشتقّ من «طَفَشَ» أي خرج هائماً على وجهه، ويستخدم المصطلح في سوريا لوصف الشخص الغير ملتزم، أما وصف الزواج به فهو استعمال طارئ لنوعٍ جديد من الزواج الخارج عن القانون في تركيا.

تروي أم أحمد لـ»القدس العربي» قصّتها مع هذا النوع من الزواج، فهي تعيل أربعة أولاد وزوجها معتقل منذ سنتين، ثلاثة أولاد صغار تكبرهم ابنتها فاطمة التي بلغت من العمر 16 عاماً، و بلوغ ابنتها هذا العمر كارثة شعرت بها أم أحمد عندما كانت تعيش في العام 2015 في إحدى مخيّمات اللجوء في تركيا، وبدأت تشعر بأن خطراً قد يصيب ابنتها بعد أن جاء أحد الأشخاص المتنمّرين في المخيم وسألها عن ابنتها و لماذا لا تزوّجها وبأن العريس جاهز.

حاولت أم أحمد أن تتهرب من الموضوع إلا أن هذا الشخص وعصابته من النساء والرجال كانوا يمتهنون هذه المهنة ومتمرّسين بالضغط على العوائل الضعيفة كما يبرعون بالهروب والتملّص من إدارة المخيّم ومن الشرطة التركية، وبدأت الحيل المتعدّدة للتضييق على عائلة أم أحمد والضغط عليها والرسالة واضحة: «إذا أردتِ أن ترتاحي في المخيّم عليكِ أن تزوّجي ابنتك».

تضيف أم أحمد: «كان هدفهم من الضغط عليّ تزويج ابنتي لرجلٍ تركيّ مسنّ، ولم أعرف ما الفائدة التي سوف يجنونها من هذه العملية، إلا أنني اكتشفت لاحقاً عندما انتقلت لبيت بسيط في إحدى الحارات الشعبية في غازي عنتاب بأن هناك جريمةٌ ستحصل لاحقاً في حال زوّجت ابنتي لهذا الرجل فالخطة مرسومة وأنا وفاطمة سنكون شركاء في الجريمة».

اتصلت أم أحمد أمام «القدس العربي» بأم ظافر قالت لنا بأنها واحدةٌ من عصابةٍ أخرى تقوم بنفس العملية «زواج الطفيشة»، وكانت أم أحمد خائفة جدّاً فهي تعتقد بأن هؤلاء الأشخاص يفعلون أيّ شيء لأجل النقود، وأجابت على الهاتف أم ظافر السورية التي تتحدث بلهجة قروية، وسألتها أم أحمد عن فتاة صغيرة لعريس تركيّ غنيّ، وأجابت أم ظافر بلهفة بأنّ لديها أكثر من فتاة وسألت عن طلبات العريس، أغلقت أم أحمد الهاتف خائفة من المتابعة إلا أنها أخبرتنا بتفاصيل العملية بعد أن أثبتت لنا وجودها وصحة ما تقول.

اقرأ أيضاً  تركيا تستعين بأطباء وممرضات من دول الخليج العربي في مستشفياتها

العصابة لا تتواجد في مكانٍ واحد وتتغير بيوتهم المستأجرة وأرقام هواتفهم بعد كل عملية، حيث يستغلون رغبة الرجل بزواجٍ ثانٍ وعدم قانونية الزواج الثاني في تركيا، ليعرضوا عليه فتاة صغيرة مدّعين بأنها ابنتهم، وبعد أن يوافق العريس الذي يكون غالباً رجلاً مسنّاً، تبدأ الترتيبات حيث يختفي جميع من قام بتزويجه في ليلة عرسه، ويتخلصون من أرقام هواتفهم المحمولة ويغادرون منازلهم المستأجرة من دون ترك أي أثر، وتبدأ العروس بزرع الثقة في الرجل، إلى أن تعرف كم يمتلك من النقود وترسم خطّة الهروب فتسرق ما غلى ثمنه وسهل حمله وتختفي تاركةً وراءها خيبة الرجل وصدمته.

استطعاعت «القدس العربي» الوصول إلى أحد الضحايا و اسمه «ز.ي» والذي قادنا إليه المترجم «م.ص» بعد بحث و سؤال، وأخبرنا بأنه لا يريد أن يُعرف اسمه فقد خسر الكثير ولا يريد أن يخسر زوجته وعائلته، كان الرجلُ جالساً أمام دكانته الصغيرة حزيناً يائساً فلم يمضِ على خيبته أكثر من أسبوعين، ولدى سؤالنا له عن دافعه للقيام بهذا التصرّف الغير قانوني أجاب «ز.ي»: «لا أريد ارتكاب الحرام، وقد تزوج أحد أصدقائي من فتاة سوريّة زواجاً عرفياً وهو يعيش مع زوجته سرّاً منذ أكثر من عام، ويخبرنا قصصاً كثيرة عن سعادته معها، ولم أكن قد سمعت مسبقاً بمثل قصّتي فهي قصصُ مخبأة لا تنفضح بسهولة، و صاحبها يداري جرحه ويسكت فلا القانون معه ولا عائلته».

وأضاف «لدى الأشخاص المحيطين بالعروس أسلوب مقنع جدّاً لا أعلم إن كانت المرأة التي ادّعت بأنها أمها إن كانت أمها الحقيقة أم لا، فقد كانت مسرحيّةً بارعة، الشخص الذي ادّعى بأنه أخوها يتكلم التركيّة بطلاقة والأم تجيد اللغة التركية أيضاً، والعروس كانت تتكلم بضعة مفردات استطعنا أن نتفاهم عبرها على حياتنا المستقبلية كما ظننت حينها، وخلال اسبوعين من الخطبة والتعارف تزوجنا بوجود شيخ قام بعقد القران معتمداً على بطاقاتهم الشخصيّة السورية والتي أخبرني صديقي السوريّ لاحقاً بأنها قد تكون مزوّرة».

اقرأ أيضاً  طبيب كويتي يجري فحوصات طبية مجانية للاجئين سوريين في تركيا

وتابع «ز.ي» وهو يزفر نادماً: «لقد وثقت بهم وأحببت الفتاة ذات الـ22 عاماً، قالت أن اسمها ليندا وبعد الزواج عشت خمسة ليالٍ من أسعد أيامي وفي صباح اليوم السادس استيقظت ولم أجد ليندا في الفراش، ولم أجد جوّالي ولا النقود ولا صيغتها الذهبية ولا حتى خاتمي، لقد سرقت كل شيء حتى علبة سجائري، وأقفلت باب المنزل من الخارج وفرّت هاربة».

كثيرةٌ هي حالات الزواج الغير قانونية في تركيا، وخاصّة من السوريّات، منها ما أخفق ومنها ما نجح واستمرّ، وتخبرنا فاديا السورية 44 عاماً، والتي تزوّجت من إيمير التركي 56 عاماً في مدينة بورصه عن سعادتها فهي السنة الثالثة لعلاقتهما الزوجية، وتقول: «واجهنا بعض المصاعب في بداية الأمر إلا أننا أوجدنا طريقاً للاستمرار ونحن سعداء».

استطاعت أم أحمد إنقاذ ابنتها من فخ العصابة، ونجَت كثيرٌ من الفتيات اللواتي فضّلن الصبر على سوء الأحوال المعيشية عن الوقوع في الخطأ والانزلاق في دوّامة السرقة والنصب والزواج الغير شرعيّ، بينما تستمر عصابة «زواج الطفيشة» في استدراج ضحاياها في تركيا ما بين الضغط على العائلات السورية اللاجئة واقناع الفتيات بالتخلّي عن مبادئهن واستغلال الرجال الذين يعتبرون زواجهم الثاني شرعياً.

وتشير احصائية رسمية نُشرت عام 2016 بأن السوريّات يتصدّرن قائمة الأجنبيات الأكثر زواجاً من الأتراك، وبأن نسبة إقبال الأتراك على الزواج من السوريات العام الماضي ارتفعت بنسبة 82٪ مقارنة بالعام 2015، حيث بلغ عدد حالات الزواج من السوريات بين الأتراك 6495 حالة، في حين كان العدد 3569 حالة في العام 2015.

المصدر: صحيفة القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *